الجمعة, 08 فبراير 2019 03:24 صباحًا 0 288 0
قصة قصيرة:خيط الرماد للكاتبة المتألقة ياسمين رحمي
قصة قصيرة:خيط الرماد للكاتبة المتألقة ياسمين رحمي

غرق في النوم خلال بضع ثوان وهي بمثابة معجزة ليس لواقع السقوط السريع في حد ذاته لكن لأنه عانى من الأرق منذ مدة طويلة واقتنص ساعة متقطعة من النوم على الأكثر طوال الليل وحتى ظهور الخيط الرمادي ذلك الذي يفصل ما بين الليل ونور الصباح. لكن المعجزة لم تكمل جميلها فما أن سقط حتى قام. تفتحت عيناه عن آخرهما وكأنما دفعه حدث هام إلى ذلك لكنه لا يتذكره . لم تفت لحظات حتى أدرك ما أيقظه، لابد أنه ذلك الصوت.... طقطقة أصابع سمعها، كانت بعيدة، لكن ليست بذلك البعد، المصدر ليس في غرفة الجلوس حيث كان نائمًا، بالتأكيد لم يكن التلفاز الذي كان لا يزال مفتوحًا وصوته خفيض فقد كان مجسمًا، حقيقيًا لكن الطقطقة لم تطول وما لبث الصوت أن انقطع حتى ظن أنها كانت تهيؤات. لم يكن بالأمر الهام وحان وقت العودة إلى السقوط الجميل. أغلق ستائر الأعين في سلام لكن...

عادت الطقطقة! هذه المرة كانت أوضح، أوضح كثيرًا، بالتأكيد لم يُهيأ له. الطقطقة كانت حقيقة لكن ما مصدرها وأين تكون؟ جلس منتفضًا ، حملق في الفضاء يحاول تهدئة نفسه وترجمة ما يحدث، لابد أن هناك تفسيرًا منطقيًا، ربما غسالة الملابس أو غسالة الأطباق أو المواسير. قام مترنحًا ووصل إلى الحمام حيث كانت غسالة الملابس وتذكر حينما وصل أنه لم يشغلها ذلك اليوم. وهنا تكررت الطقطقة . وقف متجمدًا لحظات ثم أكمل سيره في إتجاه المطبخ. مشى حتى كانت غسالة الأطباق، لم تكن مُشغلة. حسنًا لم تكن غسالة الملابس أو الأطباق مصدر الطقطقة وبالتأكيد لم تكن المواسير فهو وإن عاند نفسه وحاول الإنكار أدرك من البداية أنها طقطقة أصابع ولم تكن لا غسالة ولا أنابيب ولا يحزنون!.... ثم بدا الصوت أوضح وهذه المرة بدأ يتحسس طريقه نحوها، كانت تلك الغرفة، تلك المغلقة التي لم يستخدمها إلا نادرًا منذ أن سكن الشقة. توجه ببطء نحوها حتى وصل إلى عتبتها. مد يده إلى مفتاح النور وفتحه. وقعت عيناه أولًا على الصورة التي توسطت الغرفة.... كانت الصورة لجدته، خالة أمه، وكان يعتبرها جدته المباشرة حيث توفت والدة والدته منذ كانت صغيرة وقامت الخالة بتربيتها فكانت بمثابة أمها . لا يعلم لم وقعت عيناه على الصورة أول شيء ثم أدرك....

اعتادت جدته على طقطقة الأصابع فكلما دخل عليها وجدها تفعل ذلك وكان يسألها مازحًا -انتي مبتتعبيش يا تيتا؟ ولم تفهم مقصده ابدًا وأنه كان يمزح معها فجاوبته ببراءه أنها لا تتعب. ثم..... عادت الطقطقة وتلك المرة لم تكن فقط واضحة بل قريبة..جدًا. كان المصدر خلفه، وراء ظهره. التفت وقد تعرق جبينه وارتعشت أطرافه ليجدها أمامه! كانت جدته لكنها لم تكن عجوز! كانت شابة، في أوائل العشرينيات من عمرها. -مش بتعب! قالتها وأطلقت ضحكة صغيرة شقية. أما هو فلم يستجيب ولم يتحرك ولم يحرك عيناه..... -هتفضل واقف كده كتير؟ زادت اطرافه ارتعاشًا فاقتربت منه وأمسكت يده وكأنما...كأنما تحاول طمأنته! -متخافش. -ازاي؟ -ازاي شايفني وبتكلمني؟ -انتي ميتة؟ -وفيها ايه؟ -الأموات مش بيتكلموا! -وبالنسبة لأني ظهرت أصلا ورجعت صغيرة تاني ده عادي؟؟ طريقتها في المزاح والتحدث بعفوية وعدم تكلف وكأنما كانت حية تتنفس هدأه بعض الشيء. لكنها كانت مختلفة، هو تعود عليها عجوز، ذات صوت رخيم وجلد مكرمش ونبرة هادئة . أما تلك الواقفة فكانت جميلة، صغيرة، شقية! -انتي فين؟ -فين؟! هنا -لأ فين، روحتي فين بعد ما متي؟ -امممممم نظرت اليه بخبث وكأنما استشفت ما رمى اليه. -عايز تعرف بيحصل ايه. -وليه لأ...ليه معرفش؟ -مش يمكن ممنوع. -ممنوع ايه؟ -ممنوع أقولك، ممنوع أصحاب الأرواح المتحررة تقول لأصحاب الأرواح المتقيدة. -الأرواح المتقيدة؟ -المتقيدة بجسمها وسجن المكان والحدود والزمن. -وهو ممنوع؟ -مش بالظبط. -يعني ايه؟ -يعني طول ما انت في حالتك مش ف حالتي مش هتقدر تستوعب. -طيب في نفق ، نفق في نور، أو حتى من غيرنور، الواحد بيعدي منه للناحية التانية.

-في أنفاق، في بحور، في طيران، حسب. -حسب؟ -لو بتتكلم عن التجربة قبل الموت، لو لسه في وعي، في حاجات كتير، مش كل الناس زي بعضها، في حتى اللي بيشوف شريط، شريط ذكريات ومشاهد كان ناسيها، مشاهد من وهو عنده سنة واتنين..بس ده ملوش علاقة بالموت وباللي بيحصل بعد كده، بيبقى حسب ثقافة الواحد وجنسيته والمكان اللي اتربى فيه، والأماكن اللي اتأثر بيها وحبها. -يعني ايه؟ مش فاهم حاجة. -وعي الواحد وهو لسه عايش بس بيموت، غير وعي الواحد وهو عايش، لأن مفيش حاجة تانية بتشغله، معندوش لا مسؤوليات ولا خوف من المستقبل ولا ناس يخاف عليهم ولا عيال عايز يجيبلهم هدوم ويعلمهم ويشغلهم ويجوزهم ولا كره لحد ولا غضب ولا اي حاجة ، فضا.... الدنيا لما بتبقى فاضية في حاجات بتوضح فيها مكنتش واضحة قبل كده، زي اللؤلؤ وسط السحب السوده والدخان، لما السما بتصفا اللؤلؤ يبان وينور بعد ما كان مستخبي. -وبعد كده؟ طقطقت أصابعها ولم ترد. -مش هفهم، مش كده؟ -في اسئلة مينفعش يتجاوب عليها غير وقت ما يبان ردها. -ووقت الرد هحتاج الأسئلة ف ايه؟ ما الإجابة هتكون موجودة. -مظبوط، يبقى ملهاش لازمة. -طيب آخر سؤال. في حياة؟ -نعم؟ -في حياة بعد الموت؟ -ليه انت كنت مش مؤمن بده؟ -اكيد مؤمن...بس -بس عايز تتأكد أكتر. -انا هجاوبك على ده، بس مش دلوقتي ومش بلساني. لمح على رأسها شريطًا أخضرًا لون الزمرد وقد ميزه، حيث احتفظ به منها حتى بعدما ماتت بمدة لكنه أضاعه منذ زمن. أطال النظر اليه وهو يبتسم فمدت يدها إليه وجذبته ثم أعطته له. كان هذا قبل أن يفتح عيناه! نظر إلى الغطاء عليه فوجده كما هو، ووجد نفسه ممددًا على الأريكة وأختفت الجدة والطقطقة وكل شيء وكل شيء بمكانه فأدرك أنه كان يحلم .لم يتحرك كل هذا المدة. يا الله! كان هذا حقيقيًا للغاية، شعر أنه حقيقي، "جدتي حبيبتي!" صوتها كان لازال يطن في أذنيه. رفع رأسه ونظر عبر النافذه فوجد خيط الرماد وأدرك أن الوقت تعدى الفجر بقليل. قام بهدوء، أمسك جهاز التحكم ورفع الصوت ثم لمح بجانب عينيه شيء، كان خيطًا جلس عليه وتدلي آخره على الأريكة، أمعن النظر فوجده شريطًا، شريطًا أخضرًا لون الزمرد..............

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

مديمان علي
مسؤول مجلة أكون الإبداعية

   

 .

شارك وارسل تعليق

مقالات مميزة ننصحك بها

 .

نادي القراءة و نقاش

آراء الكتاب

مدير العام أكون للإبداع العربي
صحفي في قسم الإعلام و الصحافة, اطلقت مؤسسة أكون للإبداع العربي في 2017، وهي تهتم بدعم المبدعين في كافة مجالات الأدب.
ج2| إليكم أكثر 10 قوالب روائية مستفزة ف الواتباد ، واتبادرز تجنبوها فورا????
2019-09-26